ظهور الدراما الخليجية في الساحة العربية
هل سيكسر الاحتكار الدرامي ؟؟
دمشق: ماجد نايف الخطيب
شهد عام 2009 صعود عدد من المسلسلات الدرامية الخليجية إلى ساحة الدراما العربية، وازداد زخم ذلك في رمضان الماضي حيث تم عرض حزمة من المسلسلات الخليجية المتنوعة الموضوعات فمن الدراما الساخرة مثل "طّول بالك " و"العقيد شمة" و"موزة ولوزة".. إلى الدراما الاجتماعية والإنسانية مثل "دمعة يتيم" و"آخر صفقة حب" و"أم البنات" و" رسائل من صدف" و"الرهينة" و"الحب الكبير" .. ولم يخلو الإنتاج الدرامي الخليجي من تناول قضايا سياسية معقدة مثل " تورابورا " أو من مسلسلات تراثية مثل " منيرة"، الأمر الذي يدل على أن الدراما الخليجية خرجت من إطار التجريب والتحضير وبدأت تتهيأ للانطلاق والتألق ليس في الإطار الإقليمي الخليجي الذي أثبتت جدارته فيه، بل إلى الفضاء الدرامي العربي الواسع، الأمر الذي يدفع لطرح السؤال الآتي: هل ستثبت الدراما الخليجية نفسها بين أمواج المنافسة الدرامية العربية المتزايدة حيث الدراما السورية والمصرية والمغربية والعراقية و..؟؟ وبالتالي هل ستشهد الأعوام القادمة خروج الفارس الصحراوي في أبهة الحضارة بكل مقاييسها، مقتحماً قلعة الدراما العربية ؟؟
بالتأكيد هناك مبررات كثيرة تدفع لطرح هذا السؤال الذي وضع برسم المستقبل وأهم هذه المبررات تكمن في بيئة المجتمعات الخليجية نفسها التي تطورت لدرجات عالية يمكن الجزم بأنها تجاوزت المجتمعات العربية الأخرى من حيث التعليم والصحة والرفاه والتعامل مع مقتنيات العصر الحضارية، حيث يمكن التحدث عن المجتمعات الإلكترونية واقتصاد المعرفة لاسيما في دبي وأبو ظبي والكويت والسعودية وقطر، وهذا التطور بدوره انعكس على طبيعة العلاقات الاجتماعية ومستوى وعي الفرد، وهو ما أسهم بقدر أكبر من انفتاح الفرد والمجتمع على تجارب الآخرين الإبداعية لاسيما في مجال الدراما التلفزيونية، وبالتالي فإن بيئة الإبداع الدرامي قد صارت جاهزة للأعمال الدرامية الكبيرة التي بدأت تعلن حضورها المحلي كالمسلسل السعودي الكوميدي (طاش ما طاش) الذي بدأ عرضه عبر التلفزيون السعودي في عام 1993 وحقق انتشاراً خليجياً من خلال 16 جزئاً تم عرضها إلى الآن، حتى غدا بمثابة باب الحارة الخليجي، وقد لفت أنظار المتلقي العربي بالرغم من الخصوصية الخليجية للموضوعات التي طرحها... كما نشير في هذا الإطار أن بعض المسلسلات الخليجية التي تم عرضها على شاشات عربية وطنية كالشاشة السورية ( قناة سورية دراما) التي عرضت مؤخراً مسلسل "على الهدب دمعة" وتعرض الآن مسلسل" القادم الغريب" وقد نالت هذه المسلسلات استحسان المتلقين، بالرغم من أنها تعرض خارج الموسم الدرامي الرمضاني ..الأمر الذي يدل على أن الدراما الخليجية بدأت تثبت نفسها في زحمة الإنتاج الدرامي العربي.
أسرار نجاح الدراما الخليجية
ومن المؤكد أن هناك عوامل كثيرة تساعد الدراما الخليجية على الانطلاق وتحقيق المزيد من التقدم منها كثافة انتشار الفضائيات الخليجية وانتقال عدد من المخرجين والممثلين والكتاب العرب المشهورين للعمل في مجال الدراما الخليجية، إضافة للدعم المادي المتوفر والشباب الخليجي الطموح الذي بدأ يبحث عن فرصته في هذا المجال، كما أن عوامل عديدة اجتماعية ونفسية تتعلق برغبة المتلقي العربي وقد تساعد في إنجاح هذه المسلسلات منها أن البيئة الاجتماعية الخليجية لا تزال تكتنفها الأسرار والغموض مما يشد المتلقي العربي كونها منذ فترة قصيرة نسبياً شهدت انفتاحاً على العالم، كما يعد انتشار العنصر العربي المتواجد بكثرة في المجتمع الخليجي عامل جذب قوي للمتلقي العربي الذي يرى نفسه من خلال الدراما الخليجية، إضافة إلى جاذبية اللهجة الخليجية وهي اللهجة التي حققت للأغنية الخليجية جزء كبير من شعبيتها العربية، وفوق ذلك يمكن لمظاهر الأبهة والثروة التي تتميز بها المجتمعات الخليجية أن تشكل قوة جذب طاغية وهو ما لمسناه في المسلسلات التركية المدبلجة والتي شكلت كسراً لما اعتاد المتلقي العربي رؤيته من مظاهر الفقر والسكن العشوائي والبؤس الاجتماعي التي تميزت به إلى حد ما الدراما العربية، وفي هذا الإطار يمكن للدراما الخليجية أن تستثمر الملل والتكرار الذي عانت منه الدراما العربية لتقدم إنتاج درامي يسهم بتنويع الإنتاج الدرامي العربي.
بلا شك أن المخرجين الدراميين هم أكثر الناس تحسساً لاتجاهات التطور الدرامي المستقبلي في الساحة العربية، ومن هذا المنطلق فإن المخرجين والمؤلفين الدراميين العرب لاسيما في مصر وسورية أدركوا أهمية المجتمعات الخليجية كبيئة بكر للإنتاج الدرامي، فالمخرج السوري باسل الخطيب الذي قام بإخراج مسلسل "غلطة عمر" في عام 2006 قال في معرض تعليقه على إخراجه للمسلسل: بصراحة البيئة الكويتية والخليجية الجميلة فتحت لي آفاقاً وفضاءات جديدة على مستوى الكادر التلفزيوني، وساعدتني في رسم الصورة الشاعرية المتخيلة في ذهني، علاوة على أنها قدمت لي حلولا داخل الأبعاد الدرامية المطروحة للمناقشة برؤية عصرية.
وبعض من المنتجين والمخرجين الدراميين العرب أدركوا أهمية المزاوجة بين البيئة الاجتماعية المحلية لبلدانهم والبيئة الاجتماعية الخليجية، وفي هذا الإطار يخطر في البال المسلسل المصري "قصة الأمس" الذي تناول قصة مهندس مصري يعمل في الكويت ويتزوج من مهندسة مصرية بعقد عرفي بالرغم من أنه متزوج وعنده أولاد وما يرافق ذلك من تداعيات .. والمسلسل السوري "حور العين" الذي تناول حياة عدد من العائلات العربية التي تعيش في السعودية حيث تتعرض البناية التي يسكنوها لعمل إرهابي يقضي على أحلامهم ... لربما إن نجاح هذا النوع من المسلسلات لفت إلى أهمية الدخول في لجة البيئة الاجتماعية الخليجية للغوص فيها من خلال أعمال درامية تجمع بين خصوصية المكان وحاجات الساحة الدرامية بحيث تستوعبها وتوظفها لصالح أعمال درامية مميزة تسد الفجوة الإبداعية التي قد تعاني منها الساحة الدرامية العربية.
|